عثمان بن جني ( ابن جني )

194

الخصائص

باب في تعارض العلل الكلام في هذا المعنى من موضعين : أحدهما الحكم الواحد تتجاذب كونه العلّتان أو أكثر منهما . والآخر الحكمان في الشئ الواحد المختلفان ، دعت إليهما علّتان مختلفتان . الأوّل منهما كرفع المبتدأ ؛ فإننا نحن نعتلّ لرفعه بالابتداء ، على ما قد بينّاه وأوضحناه من شرحه وتلخيص معناه . والكوفيّون يرفعونه إما بالجزء الثاني الذي هو مرافعه عندهم ، وإمّا بما يعود عليه من ذكره على حسب مواقعه . وكذلك رفع الخبر ورفع الفاعل ، ورفع ما أقيم مقامه ، ورفع خبر إنّ وأخواتها . وكذلك نصب ما انتصب ، وجرّ ما انجرّ ، وجزم ما انجزم ، مما يتجاذب الخلاف في علله . فكلّ واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل ، على ما هو مشروح من حاله في أماكنه . وإنما غرضنا أن نرى هنا جمله ، لا أن نشرحه ، ولا أن نتكلم على تقوية ما قوى منه ، وإضعاف ما ضعف منه . الثاني منهما الحكمان في الشئ الواحد المختلفان دعت إليهما علّتان مختلفتان ؛ وذلك كإعمال أهل الحجاز ما النافية للحال ، وترك بنى تميم إعمالها ، وإجرائهم إيّاها مجرى ( هل ) ونحوها ممّا لا يعمل ؛ فكأنّ أهل الحجاز لمّا رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول ليس عليهما ، ونافية للحال نفيها إيّاها ، أجروها في الرفع والنصب مجراها إذا اجتمع فيها الشبهان بها . وكأنّ بنى تميم لمّا رأوها حرفا داخلا بمعناه على الجملة المستقلّة بنفسها ، ومباشرة لكلّ واحد من جزأيها ؛ كقولك : ما زيد أخوك ، وما قام زيد ، أجروها مجرى ( هل ) ؛ ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفي دخول ( هل ) عليها للاستفهام ؛ ولذلك كانت عند سيبويه " 1 " لغة التميميين أقوى قياسا من لغة الحجازيّين . ومن ذلك ( ليتما ) ؛ ألا ترى أن بعضهم يركّبهما جميعا ، فيسلب بذلك ( ليت )

--> ( 1 ) في الكتاب 1 / 57 يقول : ذلك الحرف " ما " . " وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أمّا وهل . وهو القياس ، لأنه ليس بفعل وليس ما كليس ولا يكون فيها إضمار " .